عبد الكريم الخطيب

757

التفسير القرآنى للقرآن

سبيل اللّه - في هذا إشارة إلى أن الإنفاق ليس مقصورا على المال وحده ، وإنما هو إنفاق من النفوس ، وبذلها في سبيل اللّه . . فمن لم يكن ذا مال لم يحرم اللّحاق بالمنفقين من أموالهم ، وذلك بالإنفاق من ذات نفسه ، ومن كان ذا مال لم يمنعه الإنفاق من ماله أن ينفق من ذات نفسه ، فيجمع إحسانا إلى إحسان ، وقد يكون الإنفاق إلى جانب النفس والمال ، إنفاقا من حصافة الرأي ، وحسن التدبير ، والنّصح للمؤمنين . . قوله تعالى : « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ » هو دعوة كريمة من رب كريم ، إلى أن يقرضه المؤمنون مما أعطاهم ، فيضاعف لهم هذا القرض ، ويجزيهم عليه الجزاء الأوفى . . وإنه ليس بعد هذا عذر لمعتذر ممن يؤمنون باللّه واليوم الآخر في ألّا يجيبوا دعوة اللّه سبحانه وتعالى ، وألّا ينفقوا مما خولهم إياه ، وجعله ملكا خالصا لهم ، فيأخذ منهم ما أنفقوا أخذ المقترض ، الذي يشكر لمقرضه ، ويحمد صنيعه معه . . فسبحانه سبحانه من رب بر رحيم ! ! ! والقرض الحسن ، هو أن يكون من مال مكتسب من حلال ، وأن يكون من أكرم مال المنفق وآثره عنده ، وأن يخرجه من يده عن طيب خاطر ، ورضا نفس ، وأن يكون الإنفاق والنفس راغبة في الحياة ، مقبلة عليها ، لا بعد أن يهرم المرء ويذهب شبابه ، وتنطفئ حدة رغباته ، وشهواته . . الآيات : ( 12 - 15 ) [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 12 إلى 15 ] يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( 13 ) يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15 )